السبت، 4 أبريل 2015

ثورة قلم (1) بعنوان : النموذج الإسلامي الإسرائيلي.د. ولد بتار

ثورة قلم (1) بعنوان : النموذج الإسلامي الإسرائيلي
إن ما نشاهده اليوم يحدث في بعض البلدان العربية وربما سنشاهده يحدث في البقية الأخرى من تلك البلدان ، إما سلما بتنازل الحاكمين عن بعض صلاحياتهم لشعوبهم ، أو ثورة ، فيأخذ الشعب حقه بيده كما حدث في بعض البلدان التي شهدت ثورات سواء منها من نجح ، أو من هم لازالوا في طريق النجاح . يجب أن لايجعلنا نغفل عن ما يتربص بشعوب تلك البلدان من مخاطر جمة بسبب ما ستؤول إليه الأمور.
وأولى تلك المخاطر من وجهة نظري هو الصعود لتيارات إسلامية غير تقليدية إلى سدة الحكم ليست لها خبرة سياسية أو تجربة حياتية في الواقع المعاش  . ولا أقصد هنا الإخوان المسلمون ، فهؤلاء أرأف مليون مرة ممن يسمون أنفسهم بالسلفيين.
فليس كل من يلبس عباءة الاسلام للوصول إلى منصب سياسي هو بالضرورة ينطبق عليه مصطلح الاخوان المسلمون كما هو الحال مع من ينتظمون تحت مسمى حزب النور السلفي ( التكفيري)
فالإخوان المسلمون في مصر وسوريا والاردن والمغرب وموريتانيا ليسوا هم إسلاميوا حزب النور السلفي في مصر ، ولا إسلاميوا القاعدة في العراق أو الجزائر أو ليبيا أو بعض الدول الأخرى التي لم تشهد ممارسة فعليه لتلك التنظيمات الإسلامية على الواقع ولم تصطدم مع النظام لتتشكل لديها تجربة حسية عن واقع الإقصاء ، وإنما هي مجموعات اعتادت العيش في محيط ضيق ، ممارساتها فيه أقرب إلى الألوهية والربوبية من حيث الطاعة العمياء من قبل المحيط الذي يعيشون فيه والذي يتألف خصيصا من زوجات وأولاد وطلبه.
وعليه فإن حصولهم وبشكل مفاجئ على السلطة دون المرور بتلك التجربة التي تحدثت عنها ، سيجعلهم يحاولون تطبيق ما عهدوه من أوامر مطاعة في محيطهم المتجانس الذي كانوا يعيشون فيه على سائر البلد المختلف كليا عن محيطهم ذلك.
وهنا تكمن الخطورة التي اخشى بأن من قاموا بدعم تلك الثورات محليا واقليميا ودوليا لم يقدروها حق قدرها .
ولنأخد مصر مثالا: فاعتراف المجلس العسكري أو لنقل اعتراف المحكمة الإدارية في مصر بحزب النور السلفي ( التكفيري) لم يكن ليكون لولا إيعاز من المجلس العسكري بقبوله ، فهم لم يكونوا ليعدموا وسيلة لرفضه و بالقانون .
فالمجلس العسكري ومن يحذوا حذوه ، أرادوا بتلك الخطوة من وجهة نظري إما أمرا من أمرين وكلاهما يشكل خطرا على البلد :
الامر الاول  : أن يكون العسكر أراد تفريخ الاخوان المسلمون من جديد ، بانغلاقهم وتزمتهم وعدم حنكتهم السياسية ، وتصلبهم في مواقفهم ، والإظهار لهم بأنهم يشكلون قوة لا يستهان بها ، فيقودهم صلفهم وكبرياءهم إلى المواجهة مع العسكر ، بعمليات قتل وانتحار وماشابه ذلك ، مما يؤثر على الوضع الأمني في البلد ، كما حدث في الفترات الماضية . وبالتالي يسهل عليهم سحقهم ، واخذ الاخوان المسلمين بجريرتهم ، وعندها سيكون الشعب داعما لهم عندما يرى بأنه مهدد في أمنه ووطنه ، فيعاد استصناع النظام القديم .
الأمر الثاني : هو انهم أرادوا إيجاد حزب ذا توجه إسلامي داخل الساحة السياسية المصرية ينهي سيطرة حزب الإخوان المسلمين على الفئة الناخبة المحافظة ، من خلال إيجاد منافس قوي لهم ، سيتسبب على الأقل في إزعاجهم عن طريق أخذ أصوات من شعبيتهم ، وبالتالي شرذمة تلك القوة الناخبة ، مما يساعد الاحزاب الليبرالية والعلمانية على حصد المزيد من الأصوات داخل البرلمان عن طريق الاتحاد فيما بينها وبين أعضاء حزب النور ، الذين وبطبيعة أحوال السياسة ، سيعتبرون حزب الاخوان المسلمون عدوهم الاول لأنه هو من يشكل خطرا على وجودهم السياسي بسبب منازعته لهم في الأصوات المحسوبة على التيار الاسلامي .
وهذا الامر يذكرني بما اشاهده في إسرائيل بالضبط ، حيث أن حزب إسرائيل بيتنا بزعامة لبيرمان وزير الخارجية الحالي هو الوجه المتطرف في الساحة السياسية الاسرائيلية ، وهو يشبه في تطرفه حزب النور السلفي ( التكفيري ) المصري ، وأي جماعات إسلامية أخرى متطرفة في أي مكان .
وبعده مباشرة ، ولكن بدرجة أقل حزب الليكود بزعامة نتنياهو ، والاختلاف بين الحزبين يتجلي عند تعارض المصلحة الدينية مع المصلحة القومية ، فالليكود عندها يغلب الاخيرة على الأولى في حين الحزب المتطرف يقوم بالعكس . وهو ما يجعله يشبه حزب العدالة والتنمية (الاخوان المسلمون ) من حيث انفتاحه على الآخر إذا تعارضت المصلحة الدينية مع المصلحة القومية .
فالاخوان المسلمون منذ فترة تطوروا من جماعة إسلامية تهدف إلى  تقديم الرعاية الاجتماعية للمواطنين البسطاء في مكان نشأتها الاصلي بقيادة مؤسسها حسن البنا سنة 1928 ، لتصبح فكرا شهد توسعا اقليميا ودوليا .
وعليه فليس من المعقول أن يكون فكرا مر على وجوده أكثر من 80 سنة وهو يعيش على ارض الواقع ، وبالأريحية التي يمتكلها عند التعامل مع الأخر ، سيشبه أي فكر آخر وليدا وأفضل حالاته أن يكون عمره لم يتجاوز 20 سنة ، هو أقرب إلى الفكر القاعدي الذي يقوم على إقصاء الأخر ولو تطلب ذلك تصفيته بقوة السلاح .
فما نشاهده يحدث في البلدان الثورية يشبه الجوقة ،  إلا من يديرها أخشى أن لا يكون أهلا لإدارتها ، فتظهر الأصوات نشازا والآلات غير مناسبة فيضاف كل هذا إلى المأساة ليتشكل لنا طيفا من المصائب والآلام ، نحن في غني عنهأ .
فالذي نحن في أمس الحاجة إليه في بلداننا هو نصر اقتصادي يكمل النصر السياسي ، ولن يكون إلا بتبني النموذج التركي الاسلامي وليس بما يفعله من يسمون انفسهم الإسلاميون في ليبيا بهدم الاضرحة ونبش القبور ، وإرغام الآخرين على تبني مواقفهم ، ليدرك هؤلاء بأنهم لازالوا في دائرة الطغيان ،  وأنهم استبدلوا طغيان سياسي بطغيان ديني اشرس واظلم .
والسبب في تبني الجماعة الإسلامية في لبيبا لهذه الأفعال الرعناء والحمقاء هو كما قلت سلفا عدم وجود تجربة حقيقية لها على ارض الواقع ، فهي ليست كجماعة الاخوان المسلمين في مصر من حيث العراقة والتضحيات ، كما أنها ايضا لا تملك التاريخ النضالي ضد المستعمر الصهيوني الذي يملكه الاخوان المسلمون في الأردن ، ولم تستفد من 50 سنة منذ ظهورها أول مرة في الستينات من القرن المنصرم لأن شخوصها ، لم يكونوا مستعدين للتضحية الجسدية من أجل مبادئهم وأوطانهم ، وإنما كانوا بين اثنين :
إما هارب خارج ليبيا ، وبالتالي لم يعايش الواقع الليبي والسياسي الذي تتطلبه هذا النوع من المواقف .
وإما موجود داخل ليبيا ، ولكنه مساير للسلطة الحاكمة خوفا علي حياته ،وظل الأمر على هذا الحال إلى سنة 1998 حين تم اعتقال اكثر من 152من قياداتهم .
وعليه فهم لم يعيشوا تجربة مجتمعية حقيقية ،تجمع بين حلو النجاح والرضا ، ومرارة السجن والتعذيب ، كما كان الحال مع أقرانهم في بلدان أخرى كمصر وتونس والاردن وموريتانيا … ولهذا كان اول ما فعلوه هو محاولة رد الصاع صاعين لمن كانوا يعتبرونهم أعداء لهم بقتلهم وسجنهم ، أما من ليسوا أعداء لهم ولكنهم يختلفون معهم في تفكيرهم ، فإنهم حاولوا ولا يزالون يحاولون  إرغامهم على سلوك نفس مسلكياتهم ومبادئهم .
 ولست أدري ، كم لازالت ارض ليبيا تطلب من الدماء لتروي عطشها ، حتى يفهم القادمون الجدد ، بأن الإنسان لايرضي بأي نوع من الطغيان كان ، سواءا كان طغيانا سياسيا أو فئويا أو دينيا..
وإن كنت لا أخفي بأني وكغيري ، سرتني النجاحات المتتالية للإسلاميين في البلدان العربية التي جرت فيها الانتخابات ، وأكاد اجزم بان الوضع سيكون نفسه لو أجريت في بقية البلدان ، إلا انني لا أريد أن ينغص علي أحد فرحتي بعد حين ، ولذلك لا أريد أن أغالي في التفاؤل ، خاصة عندما أشاهد أن النجاح تجاوز إلى من هم ليسوا اهلا له ، وهذا ليس تشكيكا بخيار الشعب بقدر ما هو تحذير مما هو آت . وكما قال المتنبي :
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ,,,, فلاتظنن أن الليث يبتسم
وقديما قيل :
ليس كل ما يملع ذهبا
وأن يكون الشعب واعيا ، وان لا يغتر بتلك الكلمات الرنانة التي تخرج من أفواه اولئك التكفيريين ، مثل احترام الآخر والقبول به ، ولنا في أمثال هذا النوع من التكفيريين أسوة سيئة ، فكم شاهدنا عمليات انتحارية يقتل فيها الكثير من الأبرياء المسلمين بحجة أنهم يريدون قتل كافر أو كافرين أو اكثر بحسب وصفهم ، ويعتقدون بأن هذا جائز ، وهل يرضى أي منا بأن يكون أحد أفراد أسرته من أولئك الضحايا الذين يطلقون عليهم هؤلاء التكفيريون ( شهداء هوامش المعركة ) لأن الشهيد الحقيقي عندهم هو من قام بتلك العملية الانتحارية .
وأن لا يعطي اصواته إلا لمن يستحقها ، وفي حال النكوص عن وعوده أن يكون جاهزا ليثور من جديد خاصة إذا ما حاولت تلك الفئة الاستبداد به تحت ذريعة الدين ، فالطغيان ليس له جنس أو شكل محدد ، فالطغيان هو الطغيان ديني سياسي …. الخ .

وانا هنا لا انا قش المسألة من باب ليبرالي أو علماني ، لأن أولئك أعتبرهم بنفس الخطر الذي يشكله هؤلاء التكفيريون السلفيون على لحمة أي مجتمع كان ، وإنما أطالب بسلطة يكون تركيزها على كل جوانب الدين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وليس فقط على الجانب المرتبط بتغيير ما يعتبرونه من وجهة نظرهم منكرا ، بحيث تكون سلطة مبشرة لا منفرة كما قال سيد الوجود محمد عليه أفضل الصلاة والسلام لرسوليه إلى اليمن : بشرا ولاتنفرا. وصدق ايضا حين قال : خير الأمور أوسطها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق