السبت، 4 أبريل 2015

بوح الجـــراح (2): حبيبتي.د.ولد بتار

بوح الجـــراح (2): حبيبتي

أستيقظ كل صباح وبي شيء من التوتر... أجول بعيني .. أشعر ببعض الجفاف في حلقي ... فأتمتم بكلمات غير مفهومة ..... أتحسس حاسة السمع ......  أتذوق ريح الياسمين المنبعثة من الحديقة الخلفية ..... لأتأكد من أننى لازلت أتمتع بحواسي .....
لكن اليوم أجد أن بي شيئا غير عادي ، أحس بحاجة فكي إلى الإرخاء .. ينتابني ضغط كبير ناحية الفم .. أشعر أنه سينفجر ، وأن الكلمات تود أن تنطلق بقوة  .. لم يسبق  أن عشت لحظة ترقب وخوف .. وأتساءل هل سأظل سجينا بإسار الصمت ، والعن تجاعيد الزمن المرسومة على جبيني ، وفجأة أجد أناملي مشدودة نحو قلم ، أحاول منعها ، لكن بلا طائل فتسطر هذه الكلمات .
حبيبتي :
منذ وعيت الدنيا وأنا لا اعرف سواك ... لم أرض أن يشاركك أحد في وجداني .. لم أقبل أن يمتلك شغاف قلبي سواك ........ كتبت في صفاتك أجمل قصائدي ... نظمت في جمالك أروع أشعاري ..... بعت كل رحالي حتى لا أضطر لفراقك ..... لثمت الأرض التي وطأتها قدماك ..... نثرت الورد على بساط جلالتك ، لعلي أحظى بلمحة من نظراتك ، وعطف من جنابك ..... قدمت ولائي وأعلنت انتمائي .... لم آل جهدا في تكريس كل أوقاتي لخدمة أغراضك ....... جافيت النوم لأحفظ حماك ...... كلت سواعدي حملا لأتعابك .
 وحين أنخت راحلتي ، واستسلمت لظروفي ، كنت دائما خليلة وجداني ، ومنعشة افكاري ، كنت عندما ينتابني الحنين إليك ، وأتذكر بدرك المنير ونجومه ، وأخباره وعلومه ، أرفع رأسي إلى السماء ، مبتهلا لقرب اللقاء ، فتداعبني نسمات المساء ، فتنفرج أسارير وجهي مبتهجة لقطرة ندى جاءت من بعيد تشكوا غربتها الضائعة لقطرة دمع أرسلتها عينا غريب ، تتآخيا لتشكلا معا رافدا لسيل من الآهات والأحزان... ويطول الفراق وتمتد ساعات الحنين كما لو انها جبل يتراءى للناظر من بعيد ، كلما ظن الوصول إليه ، تراءى له من مسافة أبعد.. فيقرر التوقف عن مطاردة السراب ، لكنه يتدارك ... سراب الأمل ولا حقيقة اليأس .. جمال المستقبل ولا البكاء على الأطلال ، فيقرر من جديد مطاردة شبح السراب لتتمثل له فيه أحلامه ، وكيف كان سيكون مستقبله .. عندها تبدأ رحلة الذوبان في الخيال ، مستهلة ببناء الآمال والأحلام ، وفجأة يجد جبل السراب أمام ناظريه ...  يلامسه .. يعانق في دفئه أحلامه الوردية ، وتطلعاته المستقبلية ، يحكي له عن مرارة الغربة ووحشة الخلوة ، فيهمس في أذنه التي كادت تصمها نداءات الاستغاثة المنبعثة من بعيد ... مالك إلا العودة لحبيبتك التي رهنت لها نفسك ، فستجد في حضنها الأنس ، وستتحطم على صخرتها كل سنين اليأس وساعات العذاب ، لكن أذنه الأخرى تتلقى إشارات مشوشة يتخللها صراخ وعويل وتحذير وتهويل يكاد صداه أن يخرم طبلتها، يقول : لاتعد لحبيبتك .. فهي لم تعد ذلك الحضن الوديع ، وأنت لم تعد فارسها البريء ... أصبح كل شيء فيها بثمن  حتى الابتسامة التي علت محياها عند وداعك صارت بمقابل ، أصبح كل شيء تزنه بميزان المصلحة .. أضحى لديها عشاق كثر ... لم يعد مهرها مجرد قروش وفلوس .. وإنما سيوف وتروس.. لم تعد متاحة للجميع ... بل لابد لنيلها من شحذ السيوف وتصليب الدروع ... الداخل إلى عرينها سيجد ذئابا وأسود..
انهد كياني ... تقرح فؤادي .... تاهت أحلامي ... كاد الأمل يتوارى خلف اليأس... وأن يغيب الترغيب في ظلمات الترهيب ... تماسكت ..... قرأت الصمد والمعوذتين ... وما حفظوه لي الأجداد  في سالف الدهور والسنين .. للحيلولة دون وسوسة اللعين .... فهل يعقل ان يسوس الشيطان أبناء الصالحين ... قلت له دع عنك ما تقول ... فما كانت حبيبتي لتكون أبدا كما تقول ..
حزمت حقائبي ... لملمت أوراقي .. وانتظرت على الرصيف ... وصعدت على أول قطار .. اقشعر بدني ... كدت السقوط فوق أول درج من سلمه ...
استقبلتني حبيبتي بوجهها البشوش.. وإن كان فيه بعضا من شحوب ... وإقبالا ترى فيه ترددا وإدبار  ... وتمر الأيام وأطلب ود حبيبتي لإحياء عهد انفرط عقده غصبا عني ... فتجيب ... ما عادت حبيبتك يحفظ لها جانب ، ولايحترم بمجلسها كبير ، ولايوقر بحضرتها صغير... حبيبتك تزوجت بعدك رجالا بقدر سنين غربتك... وخلفت بنين وبنات ... بعضهم أخذ من الحياء مكانه .... والبعض الآخر وهو الأغلب تجاوز حد الغفلة والإسفاف ... الداخل لعالمهم مفقود .. والخارج منه مولود...  وأنت لست سوى واحد من بين كثر لم يصل الدور بعد لأولهم.... لم اصدق ما أسمع .. هل هذه حبيبتي التي كانت بالأمس تبحث لي عن عذر لأتفه الأسباب ... واليوم تتصيد لي الأخطاء .. بل وتصنعها أحيانا...
استنجدت بعنفواني ..... امتطيت صهوة العناد التي طالما خبرتها وخبرتني ... ولكني سقطت... ربما لأن العمر أخذ مني مجراه... أو لأن الميدان أضحت به حفر وأخاديد أكثر ... استسلمت .. ريثما تعود النضارة لوجه حبيبتي ... أو أتأقلم مع وجهها الشاحب المكفهر ... لكن هيهات للشباب أن يعود بعد المغيب ..
عدت أدراجي .. ولكن هذه المرة لم أخش صعود السلم ... لم يرتجف لي جفن ...
هل عرفتم من هي حبيبتي : إنها من يقول فيها الراحل الكبير نزار قباني : فحبيبة قلبك ياولدي نائمة في قصر موصود .. من يدخل حجرتها.. من يطلب يدها...... من يدنوا من سور حديقتها... من حاول فك ظفائرها .. ياولدي.. مفقود .. مفقود  .

* قبس : بإمكاني فهم وتفهم اختلاف الآخرين معي فيما قلت وقديكون كثير ، ولكني لاأفهم ولن اتفهم اختلافهم معي فيما لم أقله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق